فخر الدين الرازي
92
شرح الفخر الرازى على الاشارات
الفصل ذكر مطلوبين هما الأمران المقصودان بالذات من هذا النمط المعنون بنمط البهجة والسعادة أحدهما اثبات اللذة العقلية وثانيهما بيان أنها أشرف وأقوى من اللذات الحسية أما المطلوب الأول فالدليل عليه أن النفس بعد المفارقة ان كانت مدركة للأشياء الملائمة لها كانت اللذة حاصلة لها لكن المقدم حق فالتالي حق بيان الشرطية ما بينا أن اللذة ليس الادراك الملائم وبيان المقدم أن الملائم لها ليس الا ادراك الموجودات كما هي وهذا المعنى حاصل بعد المفارقة لأنا بينا في النمط السابع أن النفس لا يتوقف على البدن لا في ذاتها ولا في ادراكاتها لمدركاتها وأما المطلوب الثاني فالدليل عليه أن لادراكات العقلية أشرف من الادراكات الحسية ومدركات العقل أشرف من مدركات الحس وإذا كان كذلك وجب أن تكون اللذة العقلية أكمل من اللذة الحسية أما بيان الأول فمن وجوه أحدها أن الادراكات العقلية خالصة إلى الكنه فان الادراك العقلي يتوغل في كنه الشيء ويميز بين الماهية وأجزائها وصفاتها ثم يميز بين الجزء الجنسي والجزء الفصلى وجنس الجنس وجنس الفصل وفصل الجنس وفصل الفصل بالغة ما بلغت ويميز بين الخارجي اللازم والمفارق ويميز بين ما يكون لازما للماهية بوسط وما لا يكون بوسط فكان الادراك العقلي قد نفذ في ماهية الشيء وتغلغل في أعماقها ووصل إلى كل اجزائها وأما الحس فإنه لا يتناول الا ظاهر لمحسوس فثبت ان الإدراك العقلي أقوى وثانيها وهو ان الادراكات العقلية غير متناهية وغير مقصورة على نوع معين من الموجودات بخلاف ادراكات الحس وأما بيان الثاني فهو ان مدركات الحواس ليست الا كيفيات مخصوصة كالألوان والطعوم ولروائح والحرارة والبرودة ومدركات العقل هو ذات الباري تعالى وصفاته وأفعاله ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في الشرف وإذا ثبت أن الادراك لعقلي أشرف من الادراك الحسى وأن مدركات العقل أشرف من مدركات الحس ولا معنى للذة الا الادراك ثبت ان اللذة العقلية أكمل من اللذة الحسية فهذا محصل الكلام في هذين المبحثين ولقائل أن يقول على المطلوب الأول لا نسلم ان النفس بعد المفارقة لو كانت مدركه لما يلائمها لكانت ملتذة قوله اللذة لا معنى لها الا ادراك الملائم قلنا إن أمثال هذه المباحث لا يستقيم بالعناية وذلك لأنا نجد عند الاكل والشرب ولوقاع حالة مخصوصة وتميز بينها وبين كثير من الأحوال الوجدانية كالغضب والعم والخوف ونعلم أيضا أن القوة لذائقة واللامسة التي فينا قد أدركت ما في المأكول والمشروب والمنكوح من الكيفيات ولكنا لا ندري أن تلك الحالة المخصوصة هي نفس ذلك الادراك الا ببرهان وأنتم ما ذكرتم على ذلك حجة وبرهانا أصلا بلى لو أنكم سميتم هذا الادراك باللذة لكان متى ثبت حصول هذا الادراك للنفس ثبت حصول اللذة لها ولكنه يصير المسألة مسئلة لغوية ومعلوم ان ذلك ليس من المباحث العقلية في شيء ثم الذي يحقق هذه المطالب هو أن النفس قبل الموت قد تكون عالمة بهذه المعلومات مع أن الانسان لا يجد تلك اللذات العظيمة ولو كانت الادراكات هي نفس للذات لاستحال ذلك لا يقال إن النفس قبل الموت مستغرقة في تدبير البدن فصار استغراقها في ذلك مانعا عن الشعور بتلك للذات لأنا نقول انكم تقولون الادراك هو نفس اللذة وعلى هذا لا يستقيم ذلك القدر لان الادراك لما حصل استحال أن يكون هناك ما يمنع عن حصول للذة والا لكان الشيء مانعا عن حصول الشيء عند حصوله وذلك محال بلى لو قلتم اللذة مغايرة للادراك حاصلة عند حصوله استقام هذا العذر ولكنه ينفتح عند ذلك أبواب كثيرة من الشكوك والشبهات فانا نقول إذ كانت اللذة مغايرة للادراك فلم قلتم انه يلزم من حصول الادراك حصول اللذة ولم لا يجوز أن يقال خصوصية النفس وان كانت لا تتأبى عن قبول الادراك لكنها تأبى عن قبول اللذة فلأجل عدم استعدادها لقبول اللذة ما حصلت اللذة وان كان الادراك حاصلا وهذا القدر من الاعتراض على ما احتجوا به في اثبات اللذة العقلية كاف ومن أراد الاستقصاء في تعديد الاحتمالات فعليه بكتاب الملخص ولنرجع إلى التفسير اما قوله كل مستلذ به فهو سبب كمال يحصل للمدرك فالمراد منه ما قرره في الفصل السالف أن اللذة ادراك الكمال فالمستلذ لا بد وأن يكون سببا لحصول كمال ما للمدرك وأما قوله ثم لا يشك في أن الكمالات إلى قوله وعلى هذا حال سائر القوى فالمراد منه اثبات القضية المذكورة بالاستقراء فان المستلذ به في الشهوة سبب لحصول كمال ما للمشتهى وكذا القول في الغضب والوهم وغيرهما وأما قوله وكمال الجوهر العاقل إلى قوله تمثلا لا يمايز الذات فالمراد منه أن كمال الجوهر العاقل هو أن يصير عالما بهذه المعلومات ثم اشتغل بتعديد تلك المعلومات وليس الحاصل الا ما ذكرناه من أن كمال الجوهر العاقل هو أن يصير عالما بالأشياء وأما قوله فهذا هو الكمال الذي به يصير الجوهر العقلي بالعقل وما سلف فهو الكمال الحيواني فالمراد منه أن العلم بالاستكمال للقوة العاقلة وأما الأمور الثلاثة التي قدمها وهي اللذة الشهوانية والغضبية والوهمية فهي كمالات حيوانية وإلى هاهنا ثم الكلام في ذكر الدلالة على اثبات اللذة العقلية لأنه لما ثبت أن اللذة هي الادراك وثبت أن الادراك حاصل بعد المفارقة ثبت أن اللذة حاصلة بعد المفارقة وأما قوله والادراك العقلي خالص إلى